01 مايو، 2021

هل يمكن إخضاع الظاهرة الإنسانية للتجريب؟

المقالة الجدلية إمكانية اخضاع العلوم الإنسانية للتجريب


نص السؤال : هل يمكن إخضاع الظاهرة الإنسانية للتجريب؟

المقدمة:
إن العلوم الإنسانية هي مجموع الاختصاصات التي تهتم بدراسة مواقف الإنسان وأنماط سلوكه , وبذلك فهي تهتم بالإنسان , من حيث هو كائن ثقافي , حيث يهتم علم النفس بالبعد الفردي في الإنسان ويهتم علم الاجتماع بالبعد الإجتماعي ويهتم التاريخ بالبعدين الفردي والاجتماعي معا في الماضي لدى الإنسان وعليه فالعلوم الإنسانية تهتم بكل ما يتعلق بالإنسان.

 ولقد كان هناك إختلاف بين المفكرين و الفلاسفة حول إمكانية تطبيق المنهج التجريبي على العلوم الإنسانية فمنهم من يرى أنه بإلإمكان تطبيق المنهج التجريبي على العلوم الإنسانية ومنهم من يرى أن لهذه العلوم خصوصياتها التي تميزها عن العلوم الفيزيائية و عليه يستحيل إخضاعها للمنهج التجريبي.

والإشكال الذي نطرحه :هل يمكن تطبيق المنهج التجريبي على العلوم الإنسانية؟

 

الموقف الأول: لا يمكن تطبيق المنهج التجريبي على العلوم الإنسانية .

لا يمكننا تطبيق المنهج التجريبي على العلوم الإنسانية و ذلك لوجود العديد من العوائق التي تقف أمام الباحثين في هذا المجال و يمكن تلخيصها في نقاط هي:
عائق الموضوعية: إن أكبر عائق يواجه الباحث في العلوم الإنسانية هو عائق الموضوعية ذلك أن موضوع العلوم الإنسانية هو الإنسان في حد ذاته فهي مرتبطة به أشد الارتباط ما يجعلها عرضة لذاتيته فيضفي عليها ميوله و عواطفه و رغباته

و الشيء نفسه نجده في ،والشيء نفسه أيضا في علم الاجتماع فالباحث في علم الاجتماع يخضع لميوله و عواطفه و عادات و تقاليد مجتمعه فلو طلبنا مثلا من عالم اجتماع جزائري البحث في إيجابيات و سلبيات مجتمعه مقارنة بالمجتمع التونسي مثلا لحاول إبراز الإيجابيات التي تميز عادات و تقاليد و أخلاق مجتمعه مقارنة بالمجتمع التونسي

 

 والشيء نفسه نجده في علم النفس فالحادثة النفسية حادثة داخلية لا يحس بها إلا صاحبها و عليه من الصعب إخضاعها للموضوعية ، وعليه يعد عائق الموضوعية من أهم العوائق التي تقف أمام الباحث في دراسة العلوم الإنسانية و هذا ما يؤكده جون ديوي من خلال قوله:" تناول الباحثين للمشكلات الإنسانية من ناحية الاستهجان والاستحسان الخلقيين ومن ناحية الخبث والطهر عقبة في طريق الدراسات التاريخية"

 


عائق الملاحظة : ثاني عائق يواجه الباحث في العلوم الإنسانية عائق الملاحظة ،والملاحظة العلمية تتميز بالدقة و اليقين و الشمولية و هذا ما يبدو متعذرا في العلوم الإنسانية لأنه تختلف درجة إدراك الظاهرة الطبيعية عن الظاهرة الإنسانية، لأن الأولى تقدم نفسها للباحث شيئاً مستقلاً عنه، تتيح له حرية الملاحظة الخارجية، بوصفها ظاهرة مادية، لها بناء داخلي، يغير من شكلها ومظهرها، ويتفاعل مع المحيط الخارجي الذي توجد فيه،

، أما الظواهر الإنسانية فدرجة تعقيدها أكثر، وهي لا تقدم نفسها على نفس الشكل من البساطة، وليست هياكل ميتة ومجردة عن كل حركة، إنها تتمتع ببناء داخلي خاص،

و عليه لا يمكن ملاحظتها ملاحظة مباشرة فمثلا لا يمكننا ملاحظة حادثة المروحة مثلا،

 و الشيء نفسه في علم الإجتماع فالظاهرة الإجتماعية ظاهرة مركبة تتداخل فيها الأسباب النفسية مع الإجتماعية وحتى مع الفيزيولوجبة فالسرقة مثلا قد تكون إما بسبب الفقر أو بسبب سوء التربية أو بتشجيع المجتمعات لها أو بسبب ضعف الوازع الديني أو بسبب دوافع نفسية لا شعورية ،


عائق التجريب: ثالث عائق يواجه الباحث في العلوم الإنسانية هو عائق التجريب، و المعروف بأن العلم بإمكانه القيام بالتجربة مباشرة على الظواهر الجامدة عن طريق نقلها إلى المختبر و إعادة إصطناعها في شروط إصطناعية ،و الوصول إلى وضع القوانين التي تحكم في هاته الظاهرة مثلا،و هذا ما نجده متعذرا في العلوم الإنسانية، فالباحث في علم التاريخ لا يمكنه إخضاع الحادثة التاريخية للتجربة فهي أحداث كانت في الماضي ،فالمؤرخ مثلا لا يستطيع التجريب على الحرب العالمية الثانية، و لا الثورة الجزائرية،


عائق التعميم: إن منهج العلوم الطبيعية يمكنه إعادة التجربة في ظروف مختلفة زمانياً ومكانياً ووضع قوانين لتعميمها على جميع الظواهر المتشابهة "كأن نقوم بتجربة على الحديد نجده يتمدد بالحرارة فنقول كل المعادن تتمدد بالحرارة"، بينما تتسم العلوم الإنسانية بحركيتها، وتغيرها، وعدم ثباتها، ومن ثم فهي ظواهر انفرادية لا تتكرر تحت نفس الشروط، وليس بإمكان الباحث أن يعيد تركيبها، إنها تاريخية تجسد لحظة تاريخية معينة و لا يمكن تعميم نتائجها فمثلا في علم التاريخ لا يمكن تعميم أسباب الثورة الجزائرية 1954 ،على باقي الثورات التحريرية في العالم العربي "تونس أو المغرب،.."

.
عائق الحتمية: الظواهر الإنسانية لا تخضع للحتمية الذي تخضع له الظواهر الفيزيائية فتكرر نفس الأسباب يؤدي في الفيزياء حتما إلى تكرر نفس النتائج و الوصول إلى التنبؤ بالمستقبل،بينما على العكس تماما بالنسبة للظواهر الإنسانية فالظاهرة التاريخية لا تخضع للتكرار فتوفر مثلا نفس الأسباب لا يؤدي دائما إلى نفس النتائج

في علم النفس فليس بالضرورة و حتما الأسباب التي أدت إلى إصابة شخص ما بالهستيريا تؤدي إلى إصابة آخرين بنفس المرض،

النقد:
إنه مما لا شك فيه أن هذه الاعتراضات لها ما يبررها من الناحية العلمية خاصة غير أنه ينبغي أن نؤكد بأن هذه الاعتراضات لا تستلزم الرفض القاطع لعملية دراسة العلوم الإنسانية لأن كل علم له خصوصياته المتعلقة بالموضوع وبالتالي خصوصية المنهج المتبع في ذلك الموضوع فهناك بعض المؤرخين و الباحثين في علم الاجتماع و علم النفس استطاعوا أن يكونوا موضوعيين إلى حد ما وان يتقيدوا بشروط الروح العلمية، و يبتكروا مناهج جديدة تتماشى مع موضوعات العلوم الإنسانية.

 

 

 

الموقف الثاني: يمكن تطبيق المنهج التجريبي على العلوم الإنسانية .

 

في المقابل ذهب بعض المفكرين إلى القول بأنه بالإمكان تجاوز هذه العقبات و دراسة الظواهر الإنسانية دراسة علمية و إخضاعها للمنهج التجريبي بنفس الكيفية و السهولة التي تطبق في المادة الجامدة و هذا من خلال تجاوز مجموع العوائق التي تقف أمام الباحثين في هذا المجال

 

.
تجاوز عائق الموضوعية: حاول الباحثون في مجال العلوم الإنسانية التخلص من الذاتية و تحقيق الموضوعية في أبحاثهم، فالباحث في العلوم الإنسانية يمكنه الوصول إلى تحقيق الموضوعية شريطة أن يحرص الباحث على ذلك وأن يلتزم الحيطة و الحذر أثناء التفسير للظواهر الإنسانية،فلقد إستطاع العديد من الباحثين من دراسة الظواهر الإنسانية دراسة موضوعية و جردوا أبحاثهم من الذاتية و تركوا الوقائع هي التي تتكلم

 

 ففي علم التاريخ نجد المؤرخ التونسي ابن خلدون في كتابه المقدمة، و في علم الاجتماع في كتابه العبر،و كذا بعض الأبحاث التي قام بها علماء النفس،باتباعهم مناهج بعيدة عن الذاتية.

 


تجاوز عائق الملاحظة: تجاوز الباحثون في مجال العلوم الإنسانية عائق الملاحظة ففي علم التاريخ أصبح المؤرخون يستعملون في بحوثهم منهجا خاصا بهم وهو يقترب من المنهج التجريبي ويقوم على خطوط كبرى هي كالآتي:

جمع المصادر والوثائق:

نقد المصادر والوثائق:

التركيب :

التعليل التاريخي

 

تجاوز عائق التجريب:

وتجاوز الباحثون أيضا عائق التجربة وأصبح بإمكانهم إخضاع العلوم الإنسانية إلى التجربة،ففي علم التاريخ يمكن القيام بالتجربة على الظواهر التاريخية من خلال المقارنة بين الأحداث التاريخية و النقد الخارجي للمصادر وهذا بواسطة التحليل الكيميائي ومثل ذلك استعمال كربون 14 للتأكد من العمر الزمني للوثيقة و بالتالي إخضاعها للتجربة،

 

والشيء نفسه في علم الإجتماع من خلال الأبحاث التي قام بها دوركايم في كتابه "قواعد المنهج في علم الإجتماع" من خلال تحديده خصائص الظاهرة الإجتماعية و هي

تلقائية يجدها الفرد عند و لادته،

 جبرية يفرضها عليه المجتمع

الخروج عنها يؤدي به إلى العقاب

 جماعية وضعها و اتفق عليها كل افراد المجتمع

و عليه يمكن إخضاعها للتجربة ، أما فيما يخص علم النفس فلقد أستطاع و بفضل التطور الكبير الذي و صل اليه العلم من اخضاع الظواهر النفسية الى المنهج التجريبي، فلقد استخدم علماء النفس المنهج التجريبي على نطاق واسع في الدراسات النفسية، وبعض التجارب يجريها علماء النفس في معامل خاصة، مجهزة بأدق الأجهزة

حيث أمكن إجراء التجارب على الراشدين والأطفال و الحيوانات، فلقد تنوعت وسائل القياس منذ منتصف القرن التاسع عشر،

 

00 فإما أن تقاس الظاهرة النفسية بواسطة اختبارات لفظية وعملية كاختبارات الذكاء، والقدرات العقلية مثلاً

00عن طريق الأجهزة المختلفة كأجهزة الارجوجراف التي تقيس التعب العضلي والتنفس من خلال سرعة النبض ودقات القلب،

0جهاز كشف الكذب هذا بالإضافة إلى المناهج العديدة المستعملة في هذا المجال كالتنويم المغناطيسي،التداعي الحر،الاستبطان.


تجاوز عائق التعميم:

 لقد استطاع العلماء و الباحثون في مجال العلوم الإنسانية تجاوز عائق التعميم و الوصول للتعميم في مجال الظواهر الإنسانية وهذا عن طريق البحث في الأسباب الرئيسية للظاهرة و ليست الثانوية فلو نظرنا مثلا إلى الحروب في مجال التاريخ نجد هناك أسباب رئيسية مشتركة بينها فالثورة المصرية الأخيرة و الثورة التونسية لهما نفس الأسباب مثلا و هي تعفن النظام السياسي الحاكم، وغياب الديمقراطية

.
تجاوز عائق الحتمية: لقد استطاع الباحثون في العلوم الإنسانية تجاوز عائق الحتمية والوصول إلى وضع قوانين تمكنهم من التنبؤ بالمستقبل ففي علم التاريخ إستطاع العلامة ابن خلدون وضع قانون أطوار الدولة"سبب نموها و سبب سقوطها و إنحلالها"

 وفي علم الاجتماع إعتبر علماء الإجتماع الظواهر الإجتماعية - مثل ظواهر الطبيعة - وتخضع لقوانين ثابتة يمكن الكشف عنها بداية مع أوجست كونت الذي سماها بالفيزياء الإجتماعية ،ووصولا إلى دوركايم الذي إستطاع وضع قانون للانتحار في قوله:"إن الميل إلى الإنتحار يزداد مع قلة الروابط التي تربط الفرد بالمجتمع"،

.
التركيب:
إن للحادثة الإنسانية خصائصها مثلما للظاهرة الحية أو الجامدة خصائصها وهذا يقتضي اختلافا في المنهج وهذا جعل من العلوم الإنسانية علوما من نوع خاص ليست علوما إستنتاجية كالرياضيات وليس استقرائية كالفيزياء و إنما هي علوم تبحث عن الوسائل العلمية التي تمكنها من فهم الظواهر الإنسانية و تفسيرها وعلى هذا الأساس فإن القول بأن العلوم الإنسانية علوم على منوال العلوم الطبيعية أمر صعب،ولكن رغم كل هذه العوائق التي تواجه العالم في هذا المجال إلا أن هذا لا يمنع من محاولة دراستها دراسة علمية مع المحافظة على خصائصها و مميزاتها .
وحسب رأيي الشخصي فإنه يمكن تطبيق المنهج التجريبي على العلوم الإنسانية لكن ليس بنفس الكيفية التي تطبق في المادة الجامدة لأن هذه الأخير تختلف كل الإختلاف عن العلوم الإنسانية التي لديها خصوصيتها و طبيعتها التي تجعلنا نحاول وضع منهج تجريبي يتلاءم مع طبيعة كل موضوع منها سواء في علم التاريخ أو الاجتماع أو النفس
خاتمة:
العلوم الإنسانية تواجه صعوبة في تطبيق المنهج التجريبي لكونه أصلا وضع لدراسة العلوم الطبيعية وقد استعارته العلوم الإنسانية ، مما دفع البعض من العلماء و الباحثين إلى التشكيك في إمكانية تطبيقه على الظواهر الإنسانية المعنوية المتغيرة المشوبة بالذاتية وغير الخاضعة للحتمية إلا الواقع أثبت أنه يمكن تطبيق على كثير من هذه الظواهر في علم النفس والاجتماع وعلم التاريخ لهذا حاولت هذه العلوم تقليد هذا المنهج وتكييفه مع الظواهر الإنسانية للوصول إلى نتائج معتبرة

 

 

 

 

 

هل الإنسان حر أم أنه مقيد ؟

 هل  الإنسان حر أم أنه مقيد؟

  المقدمة ( طرح المشكلة ) 

إن الحرية هي القدرة على تجاوز كل إكراه داخلي متمثل في الضغط النفسي أو خارجي متمثل في قوانين المجتمع أو قوانين أخرى ، أو هي قدرة الإنسان على فعل ما يشاء . لكن إذا كان اتفاق الدارسين واردا حول ضبط المفهوم فإن اختلافهم قد سجل حول  حقيقة الأفعال بين الاختيار والقيد ، حيث أكد البعض منهم على وجود الحرية المطلقة انطلاقا من إيمانهم بضرورة وجودها ما دامت شرطا للمسؤولية  ، في حين أكد البعض الآخر أن أكبر وهم يعيشه الفرد هو الاعتقاد بأنه حر. لذا فهل الإنسان مسير مجبر  أم مخير حر ؟

     (محاولة حل المشكلة)

 1 -  القصية: الإنسان حر حرية مطلقة.

  أكد أنصار الحرية الإنسان له القدرة على اختيار كل أفعاله، كونه يمتلك الوعي التام للتمييز بين الصواب والخطأ، وهو ما يؤهله لتحمل عواقب أفعاله. أكدوا أنه لا يمكن نفي الحرية على الإنسان مادامت شرطا لمسؤوليته،ورفع الشرط يقتضي رفع المشروط.

 البرهنة:

الإنسان حر حرية مطلقة، لأن شعوره يثبت ذلك، وهذا ما أكده المفكر الفرنسي روني ديكارت، حيث أشار أن الحرية إدراك لا برهان ، ولا أحد يستطيع إثباتها أكثر من الشعور بها. ويذهب بوسوي نفس المذهب فيقول:"كلما أبحث في نفسي عن القوة التي تقيدني كلما أشعر أنه ليس قوة غير إرادتي...ومن هنا أشعر شعورا واضحا بحريتي".

المعتزلة: " يحس الإنسان من نفسه وقوع الفعل حسب الدواعي والصوارف ، فإن أراد الحركة تحرك وإن أراد السكون سكن ، " المعتزلة. ((فالخالق ........ خلق الإنسان ، منحه القدرة على التمييز، ثم منحه القدرة على الاختيار ليحاسبه في حدود اختياره.)

يقول أفلاطون " إن البشر يخطئون حين يتهمون القضاء والقدر ....... إن الله بريء وهم المسؤولون عن اختيارهم الحر"

.الإنسان ليس مقيدا، لأن الاعلان العاملي لحقوق الانسان صرح " يولد الناس جميعهم أحرارا وقد وهبوا عقولا وضمائر....".

 وفي مخاطبة عمر بن الخطاب لوالي مصر عمر بن العاص، قال الفاروق:" متى استعبدتم الناس و قد ولدتهم أمهاتهم أحرارا.

أكدت الوجودية  لجون بول  سارتر أن الإنسان لا يوجد أولا ليكون بعد ذلك حرا، وإنما وجد حرا ثم إنسانا  يقول: " ليس على الإنسان إلا أن يختار، حتى وإن اختار عدم الاختيار". ويقول أيضا : "لسنا أحرارا فقط بل حكم علينا بالحرية".

أما  المعتزلة فيقولون:

"أنه معلوم أن الله يحب الإيمان، ولا يرضى الفساد,,,,, وعلى ذلك يكون كل ما في الوجود من معاص واقعاً بدون مشيئته وإرادته ,,,، فلا يكون الله عندهم مريداً لغير ما أمر به"

 

 

النقد: لكن تجربة الشعور لا تكفي لإثبات الحرية، بل الشعور فقط يوهم الذات بحريتها مثلما كان يوهمها أنها على صواب رغم وقوعها في الخطأ.

وهذا ما أكده  سبينوزا بقوله: "يعتقد الناس أنهم أحرار لجهلهم الأسباب التي تدفعهم إلى الفعل ، فيعتقد الطفل  الخائف اعتقادا خاطئا بأنه حر في الهروب ،  نفس الاعتقاد نجده عن الحجر لو كان له شعورا، أي أنه حر في السقوط". إن خالق الكون حقا جعل الإنسان حرا في الاختيار، لكن اختيار فيه قيد، فإما إتباع الأوامر أو تلقي العقاب،

2 - نقيض القضية: الإنسان مقيد.

   أكد نفاة الحرية أن الإنسان مقيد وخاضع للنظام الثابت الذي يسير وفقه الكون. أكدوا أن الحرية مجرد وهم ما دام الفرد مقيد بفكرة القضاء والقدر، مقيد بالحتمية البيولوجية، النفسية وحتى القوانين الاجتماعية.

البرهنة:

 الحتمية الطبيعية (الكون) الإنسان ليس حرا ما دام جزءا من الكون،  والكون يخضع لنظام ثابت. فإذا كان منطق العقل يفرض بأن ما يصدق على الكل يصدق أيضا على أجزائه، فإن الإنسان مقيد أيضا بقانون سقوط الأجسام وبقية القوانين التي تحكم الطبيعة ليس حرا، لأنه مقيد بحتمية طبيعية.

 و كذا بحتمية بيولوجية، فهو لم يختر قسمات الوجه أو البنية التي يريدها، بل فرضت عليه من منطلق المحددات الوراثية. هو لم يحدد مزاجه، لأن ذلك مرتبط بقوانين الطبع و إفرازات الغدد، وهذا ما أثبته عالم الوراثة مورغان بقوله " إننا نعيش تحت رحمة غددنا الصماء."

الإنسان مقيد بسلطة الحتمية النفسية، لأنه تصدر عنه جملة من السلوكات اللاشعورية التي تعد نتيجة لجملة من الرغبات المكبوتة المخزنة في ساحة اللاوعي، فالفرد مقيد بالسهو، النسيان، الحلــــــــم ، فلتات اللسان   وزلات القلم   ...و هذا ما استنتجه سيغموند فرويد، إذ

·      الحتمية الاجتماعية الإنسان و بمجرد ولادته يجد نفسه مرتبطا بأسرة ، بمجتمع، بثقافة وحضارة محددة، فيصبح سلوكه  خاضعا لشروط يحددها المجتمع (الحتمية الاجتماعية)  الذي  يعيش  فيه.

      وهو ما دفع إيميل دوركايم إلى القول :"إن سلوك الفرد خاضع لشروط يمليها العقل الجمعي".

·      الجبرية مجرد ريشة في مهب الريح والأقدار تفعل به ما تشاء، يقول جهم بن صفوان:" إنه لا فاعل في الحقيقة إلا الله وحده وإنه هو الفاعل، وإنما تنسب الأفعال إلى الناس على سبيل المجاز".

النقد: على الرغم من أهمية هذا الطرح إلا أنه لا يمكن التصديق بما ذهبوا إليه، لأن الإنسان ليس عبدا لرغباته أو شيئا من الأشياء، بل هو كائن عاقل له اختياراته، إن نفي الحرية هو نفي للمسؤولية، لكن مادام الإنسان مسؤولا، فإن الإقرار بالقيد باطل.المجتمع لا يقيد الإنسان، بل يفتح له دوما فرص التحرر.كل هذا يعني أنه للقضية تفسيرا آخر.

3-  التركيب: وكتوفيق بين الطرحين يمكن القول أن الإنسان ليس حر حرية مطلقة، كما أنه لا يمكن الجزم على أنه مقيد لدرجة اعتباره مجرد آلة في يد الزمان يفعل فيه ما يشاء ، بل أفعاله وسط بين الجبر والاختيار وأفضل تعبير على هذا ما أكده أبو الحسن الأشعري حين قال أن أفعال الإنسان لله خلقا وإبداعا وأنها للإنسان كسبا ووقوعا . بل إن حرية الانسان نسبية و هو في سعي دائم من أجل التحرر عن طريق العلم و العمل إذ أن كل تقدم للحضارة هو خطوة نحو التحرر .

I - الخاتمة : (حل المشكلة) ختام القول يمكن التأكيد أن الإنسان ليس حرا حرية مطلقة، بل يخضع في حالات عدة إلى جملة من القيود و هو في سعي دائم من أجل التحرر منها، و قيده غالبا ما يكون في تكوينه و ما يحيط به أما حريتة فهي مرتبطة بأفعاله، لأنه امتلك القدرة على الاختيار و المفاضلة بين الأفعال حتى يكون مسؤولا عن هذا الاختيار، وحرية الفرد تتسع عند استثماره لعنوان انفراده من أجل ما يخدم وجوده ، لأنه كلما كانت سلوكاتنا  أكثر مطابقة للعقل، كانت حريتنا أوسع، وكلما كان خضوعنا لأهوائنا أشد، كانت عبوديتنا أعظم.